لا شك في أن الجميع يدرك خطورة ما يشهده العالم من تحولات متسارعة غير متوقعة وما يعرفه من بوادر لأزمات اقتصادية قد بدت نذرها، والسؤال الجوهري الآن هو متى وكيف ستنتهي هذه الأزمة العالمية، وما هي أنجع السبل للحد من تداعياتها السلبية.
وآخر ما قد يحتاجه هذا الوطن، هو الدعوة للنزول إلى الشارع في مظاهرات صاخبة وغير مرخصة، وعلينا أن ندرك أن التظاهر ليس هدفا في حد ذاته، بل هو مجرد وسيلة سلمية وقانونية تهدف إلى إيصال رسالة أو مطلب ما إلى أصحاب القرار، وحين تتوفر قنوات التواصل المباشرة والفعالة، تفقد الوسيلة التصعيدية مبررها المنطقي.
ففي نظام سياسي يتسم بالانفتاح، يقوده رئيس برهن بالفعل على أنه منفتح على جميع الأطياف السياسية، لم يعد هناك حاجة لكسر سكينة المجتمع لإيصال الصوت، وما استقبال رئيس الجمهورية السيد محمد الشيخ الغزواني قبل أقل من يومين لعدد من قادة أحزاب المعارضة، والاستماع إليهم بكل تجرد ومسؤولية، الا دليل على أن "باب القصر" مفتوح قبل "صوت الشارع".
خلال اللقاءات الأخيرة، لم يكتفِ رئيس الحمهورية بالاستماع، بل وضع قادة المعارضة أمام الصورة الحقيقية للواقع الاقتصادي. وأوضح لهم أننا نعيش تداعيات أزمة طاقوية عالمية فرضتها الحروب والنزاعات الدولية، وهي أزمة لا تملك أي حكومة عصا سحرية لإنهائها مباشرة، وأن التغلب على هذه الأزمة لا يكون إلا بالتلاحم والتفاهم، وترشيد الاحتياجات وتدبير الموارد وترتيب الأولويات.
إن الدعوة لمظاهرات صاخبة وغير مرخصة تفتح الباب على مصراعيه أمام المفسدين والمتربصين الذين قد يستغلون نبل عواطف الجماهير لتحويل الاحتجاج السلمي إلى ساحة للتخريب، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها دعوات تفتقد الحس الوطني، وتنم عن تفكير غير واقعي والمواقف الوطنية الحقيقية في وقت الأزمات تتجلى في الصبر الاستراتيجي والدعم العقلاني لمسارات الحوار، والشارع ليس دائماً هو الحل، خاصة عندما يكون "الحوار" متاحا ومليئا بالصدق والمصارحة والمكاشفة.
فلنحافظ على أمن بلدنا وسكينة مجتمعنا، ولنترك المجال للحلول الاقتصادية والسياسية المرنة لتأخذ مجراها بعيدا عن ضجيج الفوضى، واستغلال عواطف الجماهير والمزايدة على نظام أثبت أنه للجماهير ومن الجماهير، ثم لنطرح السؤال الأهم: ما الذي يمكن أن تُقدمه هذه المظاهرات من أجل حل إشكالٍ عالميٍ؟
التار ولد أحمده
