في زمن يُفترض أن تحكمه قيم المواطنة والعدالة والكفاءة، يعود خطاب قديم يطلب نصيبا جديدا من الحاضر؛ خطاب يستدعي النسب والكرم والأمجاد، لا ليلزم أصحابه بالعطاء، بل ليدفع غيرهم إلى البذل من المال العام. وهنا تتجلى مفارقة لافتة، قيم وجدت لحماية المجتمع تتحول، في بعض تجلياتها، إلى أدوات ضغط تربك منطق الدولة الحديثة، وتعيد إنتاج الامتياز تحت غطاء اعتبارات ثقافية من الماضي اللادولاتي مألوفة.
لقد شهدت مفاهيم راسخة في الثقافة الموريتانية، مثل الكرم و"المحتد الكريم"، تحولات عميقة نقلتها من كونها قيما أخلاقية تلزم الفرد بالبذل والمسؤولية إلى أدوات خطابية يعاد توظيفها في سياقات لا تخلو من الالتباس، بل قد تفضي أحيانا إلى نتائج تناقض جوهرها الأصلي. ففي أصلها، نشأت هذه القيم في بيئة يعلو فيها التضامن ويفرض على الفرد أن يثبت مكانته بالفعل لا بالادعاء، فـ"المحتد الكريم" لم يكن امتيازا مجانيا، بل التزاما أخلاقيا يفرض على صاحبه أن يجسد الكرم من ماله الخاص، وأن يكون عند مستوى التوقع الاجتماعي علما بأن الكرم كان ضرورة إنسانية قبل أن يكون مظهرا اجتماعيا.
غير أن التحولات الحديثة أفرزت، مع بروز الدولة كمؤسسة جامعة، ما يمكن تسميته "المعادلة الجديدة"، حيث يستدعى النسب والمرتبة في الهرم المجتمعي للضغط على المسؤول، ويستثمر الخطاب الشعري لاستدرار العطاء، لكن من المال العام لا الخاص. وهنا يحدث الانحراف الجوهري، إذ يعاد تعريف الكرم ليصير إنفاقا من موارد جماعية، ويعاد تأويل "المحتد الكريم" ليغدو مبررا للمطالبة لا دافعا للعطاء.
وهذا التحول لا يتعارض فقط مع منطق الدولة الحديثة، بل يصطدم أيضا مع القيم الإسلامية ذاتها التي تؤسس للمساواة والعدل، إذ يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"
فلا فضل لنسب ولا مكانة إلا بما يقدمه الإنسان من عمل. كما أن استباحة المال العام تحت أي مبرر تعد من الغلول المحرم، قال تعالى:"وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وهو وعيد صريح لكل من يعتدي على المال الذي هو حق للجماعة.
ولا تقف هذه المعادلة عند حدود التحول الثقافي، بل تمس جوهر الدولة الحديثة، فهي تقوم ضمنيا على:
ـ تفضيل الانتماء الرمزي على الاستحقاق الفعلي.
ـ تحويل المال العام إلى مجال للمجاملة والترضيات.
ـ إضعاف قيم العمل والإنتاج لصالح قيم الريع والوساطة. ومن هنا، فإن استمرار هذا النمط يمثل تعارضا صريحا مع منطق دولة المواطنة التي تقوم على المساواة أمام القانون، ومع دولة العدالة التي تخضع الموارد العمومية لمعايير الشفافية، ومع دولة العلم والإنتاج التي تكافئ الجدارة والكفاءة لا الخطاب المغالِط.
وتبرز المفارقة الحادة في أن البحث عن "أنساب عالية" في هذا السياق لا يبدو فقط متجاوزا، بل أقرب إلى مفارقة ساخرة، إذ كيف لمجتمع يسعى إلى بناء دولة حديثة أن يستند في توزيع الفرص والموارد إلى معايير ما قبل الدولة؟ وكيف لقيم يفترض أنها أخلاقية أن تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الامتيازات؟
إن أخطر ما في هذه المعادلة أنها تلبس ممارسات غير عادلة لبس الشرعية الثقافية، عبر "التدثر بالعظمة" واستدعاء الماضي، مما يجعل نقدها يبدو وكأنه مساس بالهوية، بينما هو في الحقيقة دفاع عن جوهرها من التشويه.
لذلك، فإن رفض هذه المعادلة ليس رفضا للتراث، بل هو دفاع عنه في صورته الأصيلة. فالقيم التي نشأت لحماية المجتمع لا يجوز أن تستخدم لتقويضه، والكرم الذي كان تعبيرا عن المسؤولية لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لاستباحة المال العام.
وإن الرهان الحقيقي اليوم هو إعادة الاعتبار لمنظومة تقوم على:
ـ المواطنة بدل العصبية
ـ العدالة بدل الامتياز
ـ الكفاءة بدل النسب
ـ الإنتاج بدل الريع
وإنه بغير ذلك، سيظل التناقض المخل قائما بين خطاب مبتذل يمجد القيم وممارسة مفضوحة تفرغها من معناها.
كما أن مواجهة هذا التناقض لا تتطلب خطابا مضادا فقط، بل مراجعة نقدية للآليات التي يتم من خلالها توزيع الموارد وصنع القرار. فطالما بقي منطق "العطاء مقابل النسب" قائما، ولو تحت مسميات التضامن أو التكافل الاجتماعي، فستظل الدولة أسيرة شبكة من الالتزامات غير الرسمية التي تستنزف المال العام وتشوه معنى العدالة.
إن الحل لا يكمن في شيطنة الماضي أو إنكار القيم التقليدية، بل في تفكيك هذه "المعادلة الجديدة" عبر ثلاث خطوات متكاملة هي:
ـ إعادة تعريف العلاقة بين النخب والمجتمع، بحيث لا يكون الانتماء إلى أي فئة اجتماعية مبررا للحصول على حصة الوظيف ومنفذا إلى من المال العام، بل مدعاة للالتزام الأكبر بالشفافية والرقابة على صرفه.
ـ تحويل المفاهيم الأخلاقية مثل الكرم من مجال المطالبة بالحقوق إلى مجال تحمل المسؤوليات، وذلك بتشجيع مبادرات العطاء الخاص والمجتمع المدني، بحيث تصبح مكانة الفرد مرهونة بما يقدم من ماله الخاص لا بما يستدر من خزينة الدولة.
ـ إخضاع جميع أشكال الدعم والمنح والامتيازات لمعايير موضوعية واضحة، قابلة للمراجعة والمحاسبة، بحيث لا يكون هناك مجال لقولبة الاحتياجات الاجتماعية في قوالب قبلية أو خطابية.
وإن التحول المطلوب ليس مجرد تعديل إداري أو قانوني، بل هو إعادة بناء للعقد الاجتماعي ذاته. عقد لا يقوم على أياد ممدودة للعطاء من الأعلى، بل على حقوق وواجبات متساوية للجميع. فعندما يدرك أفراد المجتمع أن قيمة الإنسان تقاس بما ينتج لا بما يرث، وأن الكرم الحقيقي هو كرم الدولة تجاه مواطنيها دون تمييز، وأن "المحتد الكريم" هو محتد الوطن الجامع لا محتد القبيلة الخاص، عندها فقط نكون قد تجاوزنا هذه المفارقة وانتقلنا من خطاب الاستجداء إلى منطق الاستحقاق.
فالمسألة إذن ليست خيارا بين الأصالة والمعاصرة، بل بين آليتين لتوزيع الكرامة، أولاهما تقوم على الولاء والامتياز، والثانية على المواطنة والجدارة. ولن يكتب للدولة الحديثة في موريتانيا أن تزدهر إلا باختيار الثانية بوعي وإرادة، لا بالاستمرار في التمسك ببقايا الأولى بحجة احترام الموروث.
كيف يعطل مفهوم الكرم التقليدي منطق الدولة /الولي سيدي هيبه
