«طبيب الموت».. الطبيب البريطاني الذي حوّل ثقة مرضاه إلى وسيلة للقتل

يُعد الطبيب البريطاني هارولد فريدريك شيبمان (Harold Frederick Shipman) واحدًا من أشهر القتلة المتسلسلين في التاريخ الحديث، بعدما استغل مهنته وثقة مرضاه به لقتل عدد كبير منهم على مدى سنوات، في واحدة من أكثر الجرائم التي هزت القطاع الصحي البريطاني.


كان شيبمان طبيبًا عامًا محترمًا في مدينة هايد بمنطقة مانشستر الكبرى، وظهر أمام مرضاه وأسرهم بصورة الطبيب الحريص على رعايتهم. غير أن التحقيقات كشفت لاحقًا أنه كان يقتل مرضاه، وكان معظمهم من كبار السن، عن طريق إعطائهم جرعات قاتلة من المواد الأفيونية، ثم يتولى بنفسه إجراءات توثيق وفاتهم.
بدأت خيوط القضية في الظهور عام 1998، عندما أثارت ابنة إحدى المريضات، كاثلين غروندي، الشكوك بشأن وصية قالت الشرطة إنها مزورة، وجعلت شيبمان المستفيد الوحيد من تركة والدتها. وبعد إخراج جثمان الضحية من قبرها، عُثر على آثار للمورفين في أنسجتها، لتتوسع التحقيقات وتشمل وفيات أخرى لمرضى شيبمان.
وفي يناير 2000، أُدين شيبمان بقتل 15 مريضًا وتزوير وصية إحدى ضحاياه، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة. وأظهرت التحقيقات الرسمية لاحقًا أن عدد ضحاياه كان أكبر بكثير؛ فقد خلص تحقيق شيبمان إلى أنه قتل ما لا يقل عن 215 مريضًا خلال نحو 24 عامًا، بينما قدرت الحكومة البريطانية العدد الإجمالي بنحو 250 ضحية.

طبيب بلا دافع واضح
من أكثر جوانب القضية إثارة للغموض أن الدافع الحقيقي وراء جرائم شيبمان لم يُحسم بصورة قاطعة. فلم تكن معظم جرائمه مرتبطة بالسرقة أو الاعتداء الجنسي، وإنما استغل سلطته المهنية وعلاقته بمرضاه ليقرر، بصورة سرية، من يعيش ومن يموت.
وبسبب صورته كطبيب موثوق، لم تكن عائلات الضحايا تشتبه فيه بسهولة، بل كان يُنظر إليه أحيانًا باعتباره الطبيب الذي رافق مرضاهم في لحظاتهم الأخيرة. وقد سمح ذلك له بمواصلة جرائمه لسنوات قبل انكشاف الحقيقة.


وأثارت القضية لاحقًا أسئلة واسعة حول أنظمة تسجيل الوفيات ومراقبتها، ودور الأطباء والجهات الصحية والشرطة في اكتشاف الوفيات المشبوهة، ما دفع السلطات البريطانية إلى إجراء تحقيق رسمي واسع وإدخال إصلاحات على نظام التحقيق في الوفيات.
وفي 2004، عُثر على شيبمان ميتًا في زنزانته بعد أن انتحر، منهيًا حياته من دون أن يقدم تفسيرًا مقنعًا للدافع وراء سلسلة جرائمه.
وبقيت قضية «طبيب الموت» واحدة من أكثر القضايا الجنائية صدمة في بريطانيا، ليس فقط بسبب العدد الهائل للضحايا، وإنما لأن القاتل كان يعمل داخل مهنة تقوم أساسًا على إنقاذ الأرواح، وتمكن لسنوات من استخدام ثقة المرضى به كغطاء لجرائمه.