يعتبر أدب الرحلات أدبا مشهورا احتل مكانته المميزة في مَجمَع الآداب، ومن أبرز المؤسسين لهذا الأدب اليون الإفريقي حسن الوزان، وابن بطوطه، على سبيل المثال، وهو نوعان: نوع علمي، أصحابه يهتمون بالأسانيد ويدققون الروايات، وغالبية هذا النوع كتبه علماء مسلمون كانوا في طريقهم إلى البلاد المقدسة لأداء فريضة الحج، مثل العلامة الرحالة ولد اطوير الجنة دفين المدينة القديمة بوادان؛ وبالمناسبة فإن ولد اطوير الجنة هو أول من ذكر الشاي من أهل هذه البلاد في كتابة محفوظة، ومعروف ما للشاي من مكانة في ثقافة وحياة أهل هذا المنكب.
وهناك من هذا النوع رحلة العلامة محمد يحيى الولاتي، ورحلة العلامة البشير ولد امباريكي، التي يقول فيها نظما عندما وصل للمدينة المنورة:
لما دخلنا طيبة المباركة @ تنسمت لنا رياح البركة
وزال عنا كل هم وألم @
حين وصولنا إلى ذاك الحرم.
ومنه رحلة العلامة محمد يحي ولد أبوه، وهي رحلة مهمة، وكذلك رحلة لبرفسير عبد الله الطيب، إلى نيجيريا، والتي يقول فيها شعرا:
إني وددت لو أني ساكن بكَنُو @ لما وجدت كراما في كنو سكنوا.
والنماذج في هذا النوع كثيرة لا حصر لها.
أما النوع الآخر فهو الغرائبي، وقد درج على هذا النوع المستكشفون الأوربيون، مثل رحلة ريني كايي، المعروف بـ ولد كيجه النصراني، وقد ترجمها مؤخرا الكاتب الكبير محمد فال ولد سيدي ميله، ويمكن أم تكون من ضمنه مذكرات الضابط الفرنسي الاستعماري افرير جاه، وهذا النوع الغرائبي كثير جدا، وفي طليعته في ثقافتنا العربية رحلة الرحالة الكبير بن بطوطه، فقد ذكر في رحلته أنه رأى فتيات بثدي واحد، إلى غير ذلك من الغرائبيات.
أما المذكرات فهي لون آخر من الكتابة مهم جدا، يسجل من خلاله الإنسان يومياته.
ويتفرد كتاب أخينا وصديقنا الإعلامي المرموق والكاتب المميز محمد عبد الله ممين، "موريتاني في بلاد فارس" الذي تشرفنا بحضور تقديمه قبل أيام في احتفائية ثقافية وفكرية باذخة، من بين هذه الأنواع والألوان، بأنه مزج بين رحلتي الزمان والمكان، فالمذكرات رحلة عبر الزمان، والرحلات رحلة عبر المكان، وهو جمع هذا وذاك فجاءنا بمستخلص فريد سحرنا في التناول والطريقة، لأنه مشحون بالتفاصيل المهمة جدا، والجمال يكمن في التفاصيل؛ ولعل المثل البريطاني الذي يقول بأن الشيطان يكمن في التفاصيل، هو من باب مفهوم الشيطان في بعض جوانب الثقافة الموريتانية، ويقال إن الكاتب اللاتيني الكبير الحايز على نوبل الساحر ماركيز، حين يصف شارعا وتقرأ وصفه له، يخيل إليك أنك مررت من ذلك الشارع عشرين مرة، لا لشيء إلا لإغراقه في التفاصيل، وكذلك الرائع الطيب صالح ، وقد درج الإعلاميون على مخاطبة المستغرق أمامهم بالقول: مالكَ مستغرق كأنك تقرأ للطيب صالح!
وأعتقد أن روايته منسي، تمثل نموذجا باذخا في كتابات الطيب صالح التي تستغرق القارئ لاستغراقها في تفاصيل لا حدود لها.
وتشعر وأنت تتصفح الكتاب أن المراسل التلفزيوني ولد ممين من تلامذة مدرسة الإذاعي والأديب الطيب صالح الذي بدأ مسيرته في إذاعة BBC قبل أن يصبح واحدا من أبرز الروائيين العرب . فقد اقتفى أثره في الجمع بين الصحافة والأدب، وكذلك اقتفى صاحبنا أثر الرحالة الذين سبقوه إلى مدن إيران ومنها تبريز التي جاءاليعا متأخرا عن ياقوت الحموي صاحب كتاب معجم البلدان بسبعة قرون، لكنه ما إن وطئت قدماه المدينة حتى بدا كأن بين الرجلين موعدا لم تلغه السنون. سار ياقوت في تبريز القديمة، وسار ولد ممين في تبريز الحديثة، غير أن كليهما توقف طويلا أمام البساتين. هناك حيث الأشجار تروي الحكاية نفسها، والمياه تمضي في سواقيها كأنها تحفظ ذاكرة المكان..
غير أن المدينة لم تكتف بما رآه ياقوت.
ففي القرون التي أعقبته أضافت تبريز فصولا جديدة إلى سيرتها.
نمت شوارعها واتسعت، وارتفعت عماراتها، وامتلأت مقاهيها بأحاديث الطلاب والشعراء والتجار والعشاق.
ومن هنا كانت تفاصيل أخينا ممين، المبثوثة في ثنايا كتابه مهمة وشيقة ومفيدة جدا، خاصة ما يتعلق منها بمقابلة الأعيان، وقد كان الشيخ سيدي باب، رحمه الله، مهتما بمقابلة جميع الأعيان في عصره، وفي هذا السياق كان لقاؤه مع ببها ولد محمذن ولد أحمد العاقل، رحمه الله، وفي السردية المتداولة أنه أعطى فرسا عتيقا لمن يساهم في ترتيب هذا اللقاء.
لقد انسقنا وراء كل هذه التداعيات، حتى نبين أهمية ما ذهب إليه أخونا ممين، من تفاصيل ممتعة ومفيدة، نقلنا فيها من شواطئ بحر الظلمات غربا، إلى أقصى الشرق، حيث السحر والحكايات والزرابي المبثوثة، وحيث ولدت ألف ليلة وليلة،
فلا غرابة أن يولد كتاب يحاكي ذلك الكتاب الأيقونة في الثقافة العربية الإسلامية، في سحره وتفاصيله الباذخة.
من صفحة الدكتور محمد الصوفي
