تعيش مصر هذه الأيام ذكرى انتصار حرب أكتوبر 1973، التي اندلعت في السادس من أكتوبر، الموافق للعاشر من رمضان 1393هـ، عندما شنت القوات المصرية والسورية هجوماً مفاجئاً على القوات الإسرائيلية في سيناء وهضبة الجولان، في محاولة لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال حرب يونيو 1967.

ولم يكن عنصر المفاجأة وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عملية واسعة من التكتم والخداع الاستراتيجي استمرت لفترة طويلة قبل الحرب. فقد حرصت القيادة المصرية على حصر المعلومات المتعلقة بموعد الهجوم وخططه في أضيق نطاق ممكن، فيما جرى تنفيذ سلسلة من الإجراءات والتدريبات والتحركات التي هدفت إلى إقناع إسرائيل بأن مصر لا تستعد لشن حرب وشيكة.
وتشير دراسات ووثائق تاريخية إلى أن دائرة المعرفة بموعد الحرب كانت شديدة الضيق، وأن القيادات العسكرية الميدانية لم تحصل على التفاصيل النهائية إلا قبيل موعد الهجوم. كما تضمنت خطة الخداع إجراءات عسكرية وإعلامية هدفت إلى إبقاء الجانب الإسرائيلي في حالة شك بشأن النيات المصرية.


وكان الرئيس المصري أنور السادات يدرك أهمية السرية في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، ولذلك اعتمد، وفق شهاداته اللاحقة، على دائرة محدودة من القيادات في التحضير للقرار العسكري. كما كان جزء من استراتيجية الخداع يقوم على إظهار مصر وكأنها غير مستعدة للحرب، في الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة تستعد للعبور.
وفي خضم هذه الاستعدادات، وقعت حادثة حملت بعداً إنسانياً بالغاً؛ إذ استشهد النقيب طيار عاطف السادات، شقيق الرئيس أنور السادات، خلال الضربة الجوية الأولى في السادس من أكتوبر. وكان عاطف ضمن الطيارين المشاركين في الموجة الأولى، التي استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية في سيناء. وتشير مصادر مصرية رسمية إلى أن قيادة القوات المسلحة قررت عدم إبلاغ الرئيس فوراً بخبر استشهاد شقيقه، حتى لا يؤثر الخبر في تركيزه خلال اللحظات الحاسمة من بداية المعركة.


وكان محيط السادات في ذلك اليوم يعيش حالة استنفار قصوى؛ فالرئيس كان يتابع نتائج الضربة الجوية وعبور القوات المصرية لقناة السويس، بينما كانت القيادة العسكرية تتابع تنفيذ الخطة وتطورات الجبهة لحظة بلحظة. وفي هذا السياق، جرى التعامل مع خبر استشهاد عاطف باعتباره جزءاً من خسائر المعركة، بعيداً عن أي معاملة استثنائية بسبب صلته بالرئيس.



وقد تمكنت القوات المصرية في الساعات الأولى من عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، فيما حققت القوات السورية تقدماً أولياً على جبهة الجولان. وأثبتت العمليات الأولى أن عنصر المفاجأة والتخطيط والتكتم يمكن أن يغيرا حسابات المعركة، وهو ما انعكس على تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية في الأيام التي سبقت الحرب. وتظهر وثائق أميركية رفعت عنها السرية لاحقاً أن أجهزة الاستخبارات كانت تمتلك مؤشرات وتحذيرات، لكنها أخفقت في تقدير قرب الهجوم وموعده.
وبذلك لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت أيضاً معركة في المعلومات والتخطيط والخداع الاستراتيجي، بدأت قبل إطلاق النار واستمرت خلال العمليات العسكرية. وقد مهدت نتائج الحرب لمسار سياسي جديد في المنطقة، بدأ باتفاقيات فض الاشتباك، وانتهى لاحقاً باتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية واستعادة مصر سيادتها على سيناء.
أصالة ميديا
