حسابات خاطئة و بداية نهاية / ابوالفضل كريمي

في يوم السبت 28 فبراير 2026، دشّنت الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني عدوانهما على إيران؛ عدوانًا لم يكن، منذ لحظاته الأولى، سوى ترجمةٍ صارخةٍ لحسابات مضلِّلة و قراءةٍ قاصرةٍ لطبيعة هذا البلد و شعبه. و قد جاء هذا الهجوم في وقت لم تكن فيه أبواب الحوار قد أُغلقت نهائيًا، غير أنّ واشنطن عادت لتؤكد، مرةً أخرى، أنّها كلما خُيِّرت بين التفاهم و الخيانة، رجّحت الخيانة، و كلما سنحت فرصةٌ للحل، آثرت منطق الغدر.
كما كشفت هذه الحرب، بوضوح لا لبس فيه، أن شعار «أمريكا أولًا» الذي رفعه دونالد ترامب لم يكن في حقيقته سوى ستارٍ لشعار آخر هو: «إسرائيل أولًا». فما جرى لم يكن دفاعًا عن مصلحة أمريكية عليا، بقدر ما كان استجابةً لإرادة الكيان الصهيوني و شهوته الدموية و ميله الدائم إلى إشعال الحرائق في المنطقة.
غير أنّ الخطأ الأخطر الذي وقعت فيه الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني لم يكن سياسيًا أو دبلوماسيًا فحسب، بل كان، في جوهره، خطأً في فهم إيران ذاتها؛ فهمًا لتاريخها، و قيادتها، و مجتمعها، و ثقافتها، و طبيعة شعبها. لقد توهّم المعتدون أن بوسعهم، عبر العدوان العسكري، و الاغتيال، و بثّ الذعر، أن يدفعوا إيران إلى التصدع من الداخل. لكنهم، في الحقيقة، و من النقطة نفسها، وضعوا أقدامهم على أول الطريق إلى هزيمتهم.
الخطأ الأول: الجهل بمكانة القيادة في الوجدان الإيراني
ظنّت الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني أنّ استشهاد قائد الثورة، آية الله خامنئي، سيُدخل المجتمع الإيراني في دوامة من الاضطراب و التفكك و فقدان التوازن. غير أنّ هذا الظن لم يكن إلا نتيجة جهلٍ عميق بحقيقة المجتمع الإيراني و بالبنية المعنوية التي يقوم عليها.
فالقيادة في إيران ليست مجرد منصب رسمي أو موقع في هرم السلطة، بل هي رمزٌ جامعٌ لمعاني العزة و الإيمان و الاستقلال و الثبات على نهج الثورة. و من ثمّ، فإن استشهاد القائد، و لا سيما في مطلع المواجهة، لم يُضعف التماسك الوطني، بل ضاعفه، و لم يُربك المجتمع، بل أعاد شحنه بطاقةٍ مضاعفة من الالتفاف و الإصرار.
لقد كان العدو يراهن على أن الضربة ستُسقط المعنويات، فإذا بها تُعيد تشكيل وحدة الشعب على نحوٍ أشد صلابة. و كان يظن أنه سيضرب مركز الثقل، فإذا به يوقظ أمةً بأسرها، و يدفعها إلى مزيد من الالتفاف حول الثورة و قيمها و رمزيتها الكبرى.
الخطأ الثاني: الفشل في فهم ثقافة الشهادة لدى الإيرانيين
يفكّر الغرب، عمومًا، بمنطق الربح و الخسارة، و الخوف و البقاء، و المصلحة المادية المباشرة. لكنه أخطأ حين افترض أن الشعب الإيراني يُقاس بالميزان ذاته. فالإيرانيون ليسوا مجرد جماعة سكانية تعيش داخل حدود دولة؛ إنهم أمةٌ تختزن تاريخًا من البسالة، و تراثًا من الكبرياء، و ثقافةً مشبعةً بروح عاشوراء، و معاني التضحية، و الإيمان الديني العميق.
في هذا السياق، لا تُفهم الشهادة في الوعي الإيراني بوصفها نهايةً مأساوية، بل بوصفها ذروة الشرف و تمام الوفاء للوطن و العقيدة. و لذلك، فإن شعبًا يرى في الشهادة رفعةً لا مذلّة، و في التضحية فخرًا لا خسارة، لا يمكن أن يُهزم بالقصف، و لا أن يُخضعه التهديد.
و هنا يتجلى الفارق الجوهري بين منطق إيران و منطق خصومها: ففي حين يقبل كثيرون في المعسكر الأمريكي و الصهيوني كل ألوان التنازل من أجل إطالة أعمارهم يومًا أو يومين، ينهض الإيراني، في المقابل، مستعدًا لبذل روحه دفاعًا عن وطنه و دينه و كرامته، من دون تردد أو وجل.
الخطأ الثالث: العجز عن إدراك أن الحزن في إيران يتحوّل إلى قوة
أخطأ المعتدون حين ظنّوا أن استشهاد القائد سيدفع المجتمع الإيراني إلى الانكماش و الصمت و الانكسار. فهم لم يدركوا أنّ الحزن في إيران ليس حالةً سلبية، و أنّ الدم لا يسيل فيها عبثًا، و أنّ الشهادة لا تُنتج فراغًا، بل تُنتج امتلاءً معنويًا جديدًا.
في الوجدان الإيراني، لا يُختزل دم الشهيد في كونه مأساةً إنسانية، بل يتحول إلى منبعٍ متجددٍ للمعنى و الدافع و الإرادة. و دموع الناس لا تعني الاستسلام، بل تعني تجديد العهد، و استعادة الذاكرة، و تعميق الالتزام. و من هنا، فإنّ المصيبة لا تُفضي إلى الشلل، بل إلى النهوض، و لا تُنتج الخوف، بل تصنع الثبات.
هذه الحقيقة لم تفهمها مراكز التفكير الغربية يومًا: أن المجتمع الإيراني يمتلك قدرةً نادرةً على تحويل الفاجعة إلى قوة، و الحزن إلى حافز، و الفقد إلى طاقة مقاومة.
الخطأ الرابع: سوء قراءة الهوية الوطنية الإيرانية
و من أفدح الأخطاء أيضًا أن الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني خلطا، مرةً أخرى، بين وجود اختلافات داخلية أو شكاوى اقتصادية و سياسية، و بين استعداد الإيرانيين للارتماء في أحضان المعتدي أو التسليم لإرادته.
إنّ الأمة الإيرانية، مهما تنوعت مواقفها و تباينت رؤاها في الشأن الداخلي، تستعيد سريعًا، عند التعرض للعدوان الخارجي، شعورها العميق بوحدة المصير و الانتماء. فالإيراني قد ينتقد، و قد يعترض، و قد يشكو، لكنه لا يقبل الإهانة، و لا يبرر العدوان، و لا يستبدل خلافه الداخلي بالارتهان لعدو خارجي.
و حين يكون الوطن و الدين و العزة الوطنية مستهدفين، تتراجع الخلافات الثانوية، و تنهض هويةٌ أعمق، أوسع، و أرسخ؛ هويةٌ لا يصنعها الظرف العابر، بل يصوغها التاريخ الطويل، و الذاكرة الجمعية، و تجارب الصمود المتكررة.
بداية نهاية
لقد توهّمت الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني أن النار و الدم و الاغتيال كفيلةٌ بكسر إيران و إخضاعها. غير أنهما تجاهلتا أنهما تواجهان شعبًا تُنتج قيادته، حتى في الشهادة، مزيدًا من التماسك؛ و أمةً ترى في الشهادة شرفًا؛ و مجتمعًا يحوّل الحزن إلى يقظةٍ و اندفاع؛ و هويةً وطنيةً تستيقظ كلما حاول الغزاة النيل منها.
و من هنا، فإن هذا العدوان ليس، في حقيقته، بداية سقوط إيران، بل بداية تعثّر المعتدين أنفسهم. قد يملكون القدرة على التدمير، لكنهم لن يملكوا القدرة على كسر إرادة شعب. و قد يستطيعون سفك الدماء، لكنهم لن يستطيعوا انتزاع المعنى من الدم، و لا إطفاء الروح التي تسري في أمةٍ اعتادت أن تنهض كلما اشتد عليها الخطب.
و لهذا، فإن ما جرى يوم السبت 28 فبراير 2026 لم يكن مجرد حربٍ جديدة؛
بل كان حسابًا خاطئًا،
و هذا الحساب الخاطئ ليس إلا بداية نهاية.

أبوالفضل كريمي / مستشار سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نواكشوط