الابتزاز في موريتانيا: لا حصانة لأحد ولا تساهل مع الجريمة.

لم يعد الابتزاز، ولا سيما عبر الفضاء الرقمي، فعلاً عابراً يمكن التغاضي عنه أو تبريره بحرية التعبير أو الخصومة السياسية أو الشهرة على منصات التواصل. إنه اعتداء مباشر على الكرامة والخصوصية والأمن النفسي والمادي للأفراد، ويجب أن يُواجَه بحزمٍ عادل يطال الجميع بلا استثناء.
تشهد موريتانيا تحركاً أمنياً ضد ما وصفته الحكومة بـ«شبكة ابتزاز مالي» عبر الإنترنت؛ وأُعلن عن توقيف ستة أشخاص في إطار التحقيقات، مع تأكيد رسمي على رفض تمويل الابتزاز أو المساس بحرمة الأفراد.  كما أُشير إلى اتهامات تتصل بنشر أخبار كاذبة والتهديد وشراء الصمت وهتك الأعراض، وهي ممارسات لا يمكن أن تكون جزءاً مشروعاً من العمل الإعلامي أو النقد العام.
بين النقد والجريمة
من حق المواطن والصحفي والمدون أن يسأل وينتقد ويكشف أوجه القصور، بل إن النقد المسؤول ضرورة لصحة الحياة العامة. لكن هذا الحق يفقد مشروعيته حين يتحول إلى تهديد أو تشهير أو نشر لمواد خاصة أو ضغط من أجل المال أو المنفعة أو الصمت.
الفارق واضح: الصحافة تبحث عن الحقيقة وتمنح الطرف المعني حق الرد وتلتزم الدليل؛ أما الابتزاز فيستغل المعلومة، صحيحة كانت أو مفبركة، لإخضاع الضحية وتحقيق مكسب خاص. ولا ينبغي أن يتحول شعار «حرية التعبير» إلى مظلة تحمي الاعتداء على الناس أو ابتزازهم.
الاستجابة المطلوبة لا ينبغي أن تستهدف فئة اجتماعية أو تياراً سياسياً أو أسماء بعينها، بل كل من يثبت تورطه وفق إجراءات قانونية شفافة. فلا حصانة لمدون بسبب عدد متابعيه، ولا لموظف بسبب موقعه، ولا لرجل أعمال بسبب نفوذه، ولا لشخصية عامة بسبب علاقاتها.
أي مكافحة جادة للابتزاز تحتاج إلى:
تحقيقات مهنية تستند إلى الأدلة الرقمية والقضائية لا إلى الشائعات.
حماية الضحايا والشهود من الانتقام والتشهير المتكرر.
ملاحقة المموّلين والوسطاء ومن يديرون الحملات من خلف الشاشات، لا الاكتفاء بالواجهة الظاهرة.
التمييز الحاسم بين الرأي المشروع والجريمة المكتملة الأركان.
تمتلك موريتانيا قانوناً متعلقاً بالجرائم الإلكترونية صدر عام 2016، وهو إطار قانوني لمعالجة الاعتداءات التي ترتكب باستخدام تقنيات المعلومات والاتصال.  لكن فاعلية النصوص لا تُقاس بوجودها وحده؛ بل بقدرة المؤسسات على إنفاذها بعدالة، وسرعة تلقي البلاغات، وحماية البيانات الشخصية، وتطوير كفاءة التحقيق الرقمي.
كما تقع مسؤولية على المواطنين في عدم الاستجابة للمبتز أو تحويل الأموال إليه، وحفظ الرسائل والروابط والصور وسائر الأدلة، ثم التوجه إلى الجهات المختصة. فالمساومة غالباً لا تنهي الابتزاز، بل قد تشجع المبتز على مزيد من الطلبات والتهديد.
لا يمكن للدولة وحدها أن تكسب هذه المعركة. منصات التواصل، والإعلاميون، والأسر، والمدارس، ومنظمات المجتمع المدني، جميعهم مطالبون بتعزيز ثقافة احترام الخصوصية ورفض تداول المواد المسيئة أو إعادة نشرها. فكل مشاركة لمحتوى مُسرّب أو تشهيري قد تجعل المجتمع شريكاً، ولو من دون قصد، في إيذاء الضحية.
موريتانيا تحتاج اليوم إلى رسالة واحدة لا لبس فيها: الابتزاز جريمة، والكرامة ليست مادة للتجارة، والعدالة يجب أن تصل إلى كل متورط مهما كان اسمه أو صفته أو موقعه.

محمد الامين ولد امحمد لديك