يمكن ربط التعليم بسوق العمل في موريتانيا عبر تحويل المنظومة من نظام يمنح شهادات إلى نظام يبني مهارات يحتاجها الاقتصاد فعلًا: في التعدين والغاز، والبناء، والصيد، والزراعة، والرقمنة، والخدمات. المشكلة ليست غياب التكوين، بل ضعف التوافق بين ما يُدرَّس وما تطلبه المؤسسات، وغياب مسار واضح من التعلم إلى التدريب ثم العمل.
أولاً: معرفة احتياجات السوق بدقة.
لا يمكن إصلاح التكوين دون بيانات. ينبغي إنشاء مرصد وطني للمهارات والتشغيل يجمع سنويًا احتياجات الشركات والمشاريع الكبرى والقطاعات الحرفية، ويحدد المهن الناقصة والمهن المشبعة.
هذا المرصد يجب أن يجيب عن أسئلة عملية: كم فني صيانة يحتاج قطاع المناجم؟ كم تقني طاقة شمسية تطلبه المناطق الداخلية؟ ما المهارات الرقمية التي يحتاجها البنك والتجارة والخدمات؟ فالبانك الدولي يشير إلى أن ضعف التوافق بين المهارات والسوق يدفع قطاعات واعدة مثل التعدين والسياحة إلى الاعتماد على عمالة مؤهلة مستوردة.
ثانياً: تصميم برامج مع أصحاب العمل.
يجب ألا تُصمم البرامج التكوينية في المكاتب فقط، بل بالشراكة مع الشركات والغرف المهنية والنقابات والتعاونيات. الهدف هو أن تخرج كل شعبة بوصف مهني واضح، ومحتوى تطبيقي، ومستوى مهارة قابل للقياس.
وهناك بدايات يمكن البناء عليها: بدأ القطاع التحضير لبرنامج شراكة مع اتحاديات أرباب العمل لتحديد حاجات القطاعات من المهارات وتطوير أشكال التكوين مع المقاولات. كما يعمل المركز العالي للتعليم التقني على إعداد البرامج بمقاربة تشاركية مع المؤسسات الاقتصادية، مع تعزيز التدريب التطبيقي داخل المؤسسات ومتابعة الخريجين.
ثالثاً: التدريب داخل المؤسسة
أفضل طريقة لضمان التشغيل هي أن يتدرب الطالب في بيئة العمل نفسها. لذلك يجب تعميم التدريب المزدوج: جزء من الوقت في المركز التكويني، وجزء في المؤسسة، مع اتفاق يحدد المهام والإشراف والمنحة والتقييم.
هذا النموذج مناسب خصوصًا لمهن:
صيانة المعدات في المناجم والغاز والبناء.
الكهرباء والتبريد والتكييف والسباكة.
معالجة الأسماك والتبريد والتعبئة.
المكننة الزراعية والري والطاقات المتجددة.
تطوير الويب والتصميم والدعم التقني.
رابعاً: جعل التكوين المهني خيارًا مرغوبًا
ما يزال التكوين المهني يُنظر إليه عند كثير من الأسر بوصفه خيارًا ثانويًا. لتغيير ذلك، يجب رفع قيمته عبر شهادات معترف بها، ورواتب مجزية، ومسارات ترقّي واضحة، وإمكانية مواصلة الدراسة التقنية حتى مستوى الإجازة والماستر.
كما يجب أن يرتبط التكوين بالتشغيل مباشرة: كل برنامج كبير ينبغي أن يُعلن مسبقًا عن نسبة الإدماج المتوقعة، وعدد الشواغر المتاحة، والشركاء الملتزمين باستقبال المتدربين. فالتكوين بلا أفق تشغيلي يتحول بسرعة إلى استهلاك للمال العام دون أثر حقيقي.
خامساً: دعم المشروعات الصغيرة
ليست كل مهارة تُوظّف في شركة؛ كثير من الشباب يمكن أن يعملوا لحسابهم في الورشات والخدمات والزراعة والصيد والرقمنة. لذلك يجب ربط التكوين بثلاث خدمات: تمويل ميسّر، ومواكبة تقني، وولوج إلى السوق.
مشروع تحسين قابلية تشغيل الشباب استهدف الشباب بين 15 و24 سنة غير الملتحقين بالتعليم أو العمل، وقدم تكوينًا ودمجًا مهنيًا وتمويلًا لأنشطة مدرة للدخل. وقد ساهم في تكوين أكثر من 50 ألف شاب وخلق أكثر من 20 ألف فرصة عمل ودعم آلاف الأنشطة المدرة للدخل، ما يؤكد أن التكوين وحده لا يكفي دون تمويل ومواكبة.
سادساً: الرقمنة كفرصة سريعة
الرقمنة من أسرع المجالات التي يمكن ربطها بالتشغيل، لأنها لا تتطلب دائمًا مصنعًا أو رأس مال ضخمًا. وتوجد مبادرات قائمة: مشروع لتكوين 2150 شابًا في ست مدن في المهن الرقمية، وتكوين 300 شاب في مهن الرقمنة بالشراكة بين الوكالة الوطنية للتشغيل والمعهد العالي للرقمنة، مع مسارات في تطوير الويب والتصميم والألياف البصرية.
لكن نجاح هذه البرامج يتطلب إنترنت ميسّرًا، ومساحات عمل مشتركة، وربطًا مباشرًا بالشركات والمنصات الإقليمية، لا الاكتفاء بشهادات حضور.
سابعاً: قياس النتائج لا الحضور
يجب تقييم كل مؤسسة تكوينية بمعيار واحد حاسم: ماذا أصبح خريجوها بعد سنة؟ هل عملوا؟ هل أنشأوا مشروعًا؟ هل تحسن دخلهم؟ هل بقيت مهاراتهم مطلوبة؟
يمكن نشر مؤشرات عمومية مثل نسبة التشغيل خلال 6 و12 شهرًا، ومتوسط الدخل، ونسبة النساء والشباب الريفيين، ومعدل بقاء المشروعات. وبهذا تتحول المنافسة بين المؤسسات من عدد المسجلين إلى جودة الإدماج المهني.
خلاصة عملية:
ربط التعليم بسوق العمل في موريتانيا يتطلب سلسلة متكاملة: بيانات عن المهارات المطلوبة، برامج مشتركة مع أصحاب العمل، تدريب تطبيقي داخل المؤسسات، تمويل ومواكبة للمشروعات، وقياس شفاف لنتائج الخريجين.
والنجاح لا يكون عندما يزيد عدد المتدربين، بل عندما يجد الشاب بعد التكوين مهارة مطلوبة، وفرصة عمل حقيقية، أو مشروعًا مستدامًا يمنحه دخلًا وكرامة.
ناديت لو أسمعت حيا...؟
محمد الامين ولد امحمد لديك
