دوامة الحنين إلى الماضي/ أصالة ميديا

اعتدنا أن نعتقد أننا ضحايا الأنظمة المتعاقبة، فنقارن الحاضر بالماضي، ونردد أن النظام السابق كان أفضل، وأن من سبقه كان أفضل منه، في سلسلة لا تنتهي من النقد والحنين إلى ما مضى، وكأننا نبحث عن واقع مثالي لا وجود له.
المشكلة لا تكمن في المصالح الفردية وحدها، ولا في سوء فهم الواقع فحسب، بل تمتد إلى طريقة تفكيرنا التي منحت المنصات الافتراضية سلطة غير مسبوقة. فأصبح بإمكان أي شخص أن يصنع "ترندًا" يجعله مؤثرًا في الرأي العام، بغض النظر عن مستوى المعرفة أو حجم المسؤولية، مستندًا إلى شعارات الديمقراطية وحرية التعبير، دون اكتراث أحيانًا بعواقب ما يطرح.
وفي هذا الفضاء الرقمي المتشابك، تتزاحم الآراء وتتباين الأفكار، فتجد الأحزاب والتيارات السياسية في هذه المنصات وقودًا لمعاركها، بينما يتحول البعض إلى نجوم في عالم افتراضي يعجز عن صناعة أبطال حقيقيين على أرض الواقع.
يبقى السؤال: ماذا نريد؟ وما الذي ننتظره؟
الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز لم يكن بعيدًا عن واقع البلاد، وقد اتسم عهده بالحزم والصرامة في إدارة الدولة، فخاض مواجهات مع رجال الأعمال، وشدد في تحصيل الضرائب، واتخذ قرارات أثرت في قطاعات مختلفة، كما شهدت البلاد خلال فترة حكمه إنجازات في مجال البنية التحتية، إلى جانب انتقادات واسعة لعدد من سياساته.لكنه لم ينسى نفسه وليته فعل
أما في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، فقد برز نهج مختلف يقوم على الانفتاح، وتعزيز البعد الاجتماعي، خاصة خلال الأزمة الصحية العالمية، من خلال دعم الفئات الهشة، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، وإشراك مختلف الأطراف في إدارة الشأن العام. ومع ذلك، لا يزال البعض يحن إلى المرحلة السابقة، بمن فيهم أشخاص كانوا من أشد منتقديها.
الحقيقة أن إدارة الدول تحتاج إلى مزيج من الحزم والإنسانية، وأن أي تجربة حكم ستظل محل اختلاف في التقييم. لكن اللافت أننا نبحث في كل مرحلة عن "المنقذ"، ثم لا نلبث أن نتحسر على من سبقه، لتستمر الحلقة نفسها دون انقطاع.
ولعل التحدي الحقيقي ليس في تبديل الأشخاص، بل في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على تقييم التجارب بموضوعية، بعيدًا عن العاطفة والحنين، لأن الأوطان تُبنى بالنقد المسؤول، لا بالمقارنات التي لا تنتهي.