ليست إنشيري ولاية فقيرة، بل هي ولاية غنيّة بما تختزنه أرضها من معادن، وبما أتيح لها من رخص تعدين، وبما أُعلن عنها من مشاريع تنموية متتابعة. غير أنّ المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الغنى الطبيعي لم يتحوّل بعدُ إلى رخاءٍ اجتماعي، ولا إلى فرص عملٍ كافية، ولا إلى تحسين ملموس في حياة السكان. فبينما تتوالى الوعود وتتعاظم الشعارات، يظلّ كثير من أبناء الولاية أسرى البطالة والفقر والتهميش، كأنهم خارج حسابات التنمية نفسها.
إنّ هذا الوضع يثير سؤالًا جوهريًا حول معنى التنمية حين تنفصل عن الإنسان، وحول قيمة المشاريع حين تُقام على الورق أكثر مما تُترجم في الواقع. فالثروة التي لا تنعكس على كرامة السكان، ولا تفتح أبواب الشغل أمام شبابهم، ولا تُنصف مجتمعاتهم المحلية، تصبح أقرب إلى عبءٍ اجتماعي منها إلى رافعة اقتصادية. ومن هنا، فإنّ ما تعيشه إنشيري لا يعبّر عن نقص في الموارد بقدر ما يكشف خللًا في إدارة الثروة وتوزيع عائداتها.
إنّ العدالة التنموية تقتضي أن يكون لأهل الولاية نصيبٌ واضح من خيرات أرضهم، وأن تُربط المشاريع بخطط فعلية للتشغيل والتأهيل والبنية التحتية والخدمات الأساسية. كما تقتضي الشفافية في التراخيص والعقود، والمساءلة في التنفيذ، والإنصاف في توزيع المكاسب. أما استمرار الفجوة بين الثروة والواقع، وبين الوعود والمعيش اليومي، فلن يزيد إلا في تعميق الإحساس بالحيف، وتوسيع دائرة الإحباط، وإضعاف الثقة في جدوى التنمية ذاتها.
إن إنشيري اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى إرادة سياسية جادة تجعل من ثرواتها مصدرًا للكرامة لا للحرمان، ومن مشاريعها أداةً للإنصاف لا مجرد عناوين مؤجلة. فالمجتمعات لا تُقاس بما يختزنه باطن الأرض فقط، بل بما تناله من عدلٍ وفرصٍ واعتبار.
محمد الأمين ولد امحمد لديك
