الإنفاق في عهد الغزواني.. تصحيح اختلالات أم تضخم للنفقات؟

يدور نقاش اليوم حول مقولة تتبناها بعض أطراف المعارضة، مفادها أن حجم الإنفاق خلال فترة حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يعادل، أو يتجاوز، مجموع ما أُنفق منذ استقلال البلاد. ورغم أن هذه المقولة قد تنطوي على قدر من المبالغة، فإن مناقشتها بموضوعية تقتضي طرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بحجم السكان، واتساع الحاجات، وتطور الخدمات العامة، وطبيعة الإنفاق الحكومي.

فهل يمكن إجراء مقارنة عادلة بين الإنفاق في المرحلة الحالية وما أُنفق خلال العقود الماضية، دون الأخذ في الاعتبار الزيادة السكانية، واتساع نطاق الخدمات، وتراكم الاختلالات التنموية، وتغير متطلبات الدولة والمجتمع؟

إن تقييم حجم الإنفاق لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام الإجمالية، بل يجب أن يشمل طبيعة النفقات، والفئات المستفيدة منها، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين. وهنا تبرز أهمية التساؤل عن حجم الأموال التي وُجهت إلى محاربة الفقر والهشاشة، خاصة منذ إنشاء المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «التآزر»، وما قدمته من تحويلات نقدية ومساعدات اجتماعية استهدفت فئات واسعة من المواطنين، وفق برامج وتوزيع جغرافي يشمل مختلف مناطق البلاد.

كما يتعين النظر إلى تطور أعداد التلاميذ والطلاب مقارنة بالسنوات الماضية، وما يفرضه ذلك من توسع في البنية التعليمية، وزيادة الحاجة إلى المدرسين والمؤسسات والتجهيزات. وينطبق الأمر ذاته على قطاعات الصحة والمياه والكهرباء والطرق وغيرها من الخدمات الأساسية، التي تزداد الحاجة إليها كلما اتسع النطاق الديمغرافي والجغرافي للدولة.

ومن هذا المنطلق، فإن مقارنة الميزانيات وأحجام الإنفاق تقتضي مراعاة نمو السكان، وتغير الأسعار، واتساع الالتزامات الحكومية، إلى جانب قياس النتائج الفعلية للإنفاق ومدى قدرته على تحسين ظروف المواطنين. كما ينبغي طرح سؤال جوهري: هل تراجعت معاناة المواطنين مقارنة بالماضي، أم أن التحسن المحقق لا يزال دون مستوى التطلعات؟

لقد عانت موريتانيا، على مدى عقود، من الفقر والهشاشة وضعف الخدمات، خصوصًا في المناطق الداخلية التي ظلت أجزاء واسعة منها بعيدة عن الاهتمام الإعلامي الكافي. ولم تكن وسائل الإعلام في مراحل سابقة تمتلك الإمكانات والانتشار اللذين يتيحان نقل تفاصيل المعاناة اليومية في مختلف أنحاء البلاد، كما لم تكن المعلومات متاحة بالسرعة والاتساع اللذين نشهدهما اليوم.

أما الآن، فقد أسهم تطور الإعلام ووسائل الاتصال في جعل المناطق أكثر ترابطًا، وأصبح نقل واقع المواطنين ومشاكلهم إلى الرأي العام أكثر سهولة، وهو ما زاد من وضوح الاختلالات ورفع سقف المطالب الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى جانب من الإنفاق خلال فترة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني باعتباره محاولة لمعالجة تراكمات الفقر والهشاشة والبطالة المقنّعة وضعف الخدمات، وهي اختلالات لا يمكن قياس كلفتها أو متطلبات معالجتها بالأرقام وحدها، ولا مقارنتها بإنفاق مراحل سابقة دون مراعاة اختلاف الظروف والإمكانات والحاجات.

فبناء الدولة لا يقتصر على تشييد المنشآت وإقامة البنى التحتية، بل يبدأ أيضًا ببناء الإنسان، وتحسين ظروفه المعيشية، وتوفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية. وقد تكون الأولوية، في بعض المراحل، لمعالجة الحاجات الإنسانية الملحّة قبل التوسع في البناء المادي، لأن المنشآت وحدها لا تكفي إذا ظل الإنسان عاجزًا عن الاستفادة منها.

إن الإنصاف في تقييم التجربة الحالية يقتضي، إذن، عدم الاكتفاء بمقارنة الأرقام الإجمالية للإنفاق، بل دراسة ما أُنفق، ولمن وُجه، وما تحقق من نتائج، وما بقي من اختلالات. فالمقارنة الاقتصادية السليمة لا تقوم على حجم الأموال وحده، وإنما على طبيعة الحاجات، وحجم التحديات، وكفاءة الإنفاق، وأثره في حياة المواطنين.

لقد كانت موريتانيا بحاجة إلى معالجة جراح الفقر والهشاشة قبل التوسع في البناء؛ فالاستثمار في الإنسان ليس بديلًا عن بناء الدولة، بل هو أحد شروطه الأساسية.