بين انكشاف المعدن وسقوط القيم/الولي سيدي هيبه

"السلطة ليست امتحانا للكفاءة فحسب، بل امتحان للأخلاق والضمير"

يقال إن السلطة ليست سوى مرآة مكبرة للنفس البشرية، تظهر خفاياها وتكشف معادنها. وإذا تأملنا نماذج الوزراء والأمناء العامين وغيرهم من رفيعي المناصب، في منكبنا القصي، نجدهم - في الغالب - ينقسمون إلى ثلاثة أصناف:

الأول: الذين يبدلون جلودهم، فيخلعون ثوب التواضع والفضل والكرم، ويرتدون لباس الكبر والرياء، فينقلبون على أصولهم التي عرفهم الناس بها. وهذا الصنف يصدق فيه قول الله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ". فهم لا يرون في أنفسهم إلا رفعة موهومة، ولا يصغون إلى نصح أو يستجيبون لوخز الضمائر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". فتجده قد استبدل خدمة الناس بالتعالي عليهم، وخدمة الوطن بخدمة ذاته.

الثاني: الذين تثقل كواهلهم عقد النقص، فينشغلون بصناعة مجد زائف، وبناء نسب وهمي هش، فيجمعون حولهم جيوشا من المادحين والمطبلين، يزينون لهم الباطل ويقبحون لهم الحق. وقد أشار القرآن إلى هذا الصنف في قوله تعالى: "يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا"، وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "احثوا في وجوه المداحين التراب". ولأن المدح الزائف يفسد القلوب ويطمس البصيرة، قيل: "إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا". فكيف إذا أكرم اللئيم بالسلطة، وأحيط بالمادحين؟

الثالث: الذين يبقون على عهودهم، لا تغيرهم المناصب، ولا تفسده السلطة، بل ازدادوا إخلاصا في خدمة وطنهم، وعدلا في قراراتهم، ووفاء لقيمهم وأهلهم. وهذا هو النموذج الذي ينسجم مع قول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ"، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". فهو يرى المنصب تكليفا لا تشريفا، وأمانة لا مغنما.

وبينما انشغل الصنفان الأول والثاني بنهب المال العام وتبديده بطرق شتى، يظل الصنف الثالث يسير بثبات، يحمل هم الوطن، ويؤدي الأمانة بعدل ووطنية. وقديما عبر المتنبي عن هذا المعنى، فقال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم     وتأتي على قدر الكرام المكارم
فالرجال يعرفون بمواقفهم، لا بمناصبهم، وبثباتهم على القيم، لا بتقلبهم مع المصالح الزائلة. والسلطة ليست امتحانا للكفاءة فحسب، بل امتحان للأخلاق والضمير. فمن نجح فيه ثبت على أصله وازداد خيرا، ومن فشل كشفت حقيقته، وانقلب على نفسه قبل أن ينقلب على الناس.