من التراث إلى المشروع / الاعلامي الحسن احمد فال

شباب موريتانيا أمام فرصة تحويل الذاكرة الثقافية إلى اقتصاد مستدام

مقدمة
تمتلك موريتانيا ثروة تراثية وثقافية وطبيعية كبيرة، تمتد من المدن التاريخية، مثل وادان وشنقيط وتيشيت وولاتة، إلى المخطوطات والمحاظر والحرف التقليدية والموسيقى، وصولاً إلى الصحراء والواحات والسواحل والمواقع الطبيعية المتنوعة.
غير أن امتلاك هذا التراث لا يعني بالضرورة الاستفادة الاقتصادية الكاملة منه. ومن هنا يطرح هذا التحقيق سؤالاً أساسياً: كيف يمكن تحويل التراث والثقافة والسياحة إلى مشاريع اقتصادية مستدامة وفرص عمل للشباب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أصالة التراث وقيمته الثقافية؟
من التراث إلى الاقتصاد
يمكن للتراث أن يتحول إلى مصدر للدخل وفرص العمل من خلال تطوير السياحة الثقافية، والصناعات التقليدية، والتجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى، والإرشاد السياحي، والتصوير، والنقل، ومختلف الخدمات السياحية.
فالحرفي يمكن أن يتحول إلى صاحب علامة تجارية، والشاب الذي يعرف تاريخ مدينته وتراثها يمكن أن يعمل مرشداً سياحياً، بينما يستطيع المصور وصانع المحتوى التعريف بالمواقع التاريخية والثقافية، في حين يمكن للمبرمج تطوير منصات وتطبيقات للحجز والتعريف بالمواقع والمنتجات التراثية وتسويقها.
المدن التاريخية.. فرصة اقتصادية
لا ينبغي أن تظل المدن التاريخية مجرد مواقع للزيارة، بل يمكن تطويرها لتصبح وجهات سياحية متكاملة، توفر فرصاً في مجالات الإيواء والنقل والإرشاد والطعام والحرف اليدوية والتصوير وصناعة المحتوى وغيرها من الخدمات.
وبذلك يصبح السائح جزءاً من سلسلة اقتصادية يستفيد منها السكان المحليون، بدلاً من أن تقتصر الزيارة على مشاهدة المعالم التاريخية دون أن تنعكس عوائدها بشكل مباشر على المجتمعات المحلية.
التكنولوجيا.. بوابة إلى الأسواق
يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في إيصال التراث الموريتاني إلى جمهور عربي وإفريقي ودولي واسع، من خلال الجولات الافتراضية، والمنصات الرقمية، والمتاجر الإلكترونية، والأفلام الوثائقية، والبودكاست، ومختلف أشكال المحتوى الثقافي.
كما تمثل رقمنة المخطوطات والأرشيفات والمكتبات التقليدية فرصة مهمة للحفاظ على الذاكرة الثقافية، وفتح مجالات جديدة أمام الشباب في الأرشفة والتصوير والفهرسة والترجمة وصناعة المحتوى.
الشباب والمرأة في قلب الاقتصاد الثقافي
يمكن إدماج الشباب والنساء في هذا الاقتصاد من خلال إنشاء الحاضنات، وتوفير التمويل، وتنظيم برامج للتكوين في اللغات والتسويق وإدارة المشاريع والتجارة الإلكترونية وصناعة المحتوى.
كما يمكن توجيه جزء من برامج دعم ريادة الأعمال نحو المشاريع المرتبطة بالتراث والسياحة والصناعات الإبداعية، بما يتيح للشباب والنساء فرصاً حقيقية لإنشاء مشاريع مدرة للدخل وقابلة للاستمرار.
الاستثمار المسؤول
يجب ألا يكون الاستثمار في التراث على حساب التراث نفسه. ولذلك ينبغي إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ، وحماية المواقع التاريخية والبيئة، واحترام الأصالة الثقافية، وضمان استفادة السكان المحليين من العائد الاقتصادي.
فالهدف ليس تحويل الثقافة إلى سلعة تفقد معناها وقيمتها، وإنما بناء اقتصاد ثقافي وسياحي مستدام يحافظ على الهوية ويخلق فرصاً جديدة للعمل والتنمية.
عشر خطوات مقترحة
إنشاء حاضنات متخصصة في المشاريع التراثية والسياحية.
توفير تمويل موجه للشباب والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.
تكوين الشباب في مجالات السياحة واللغات والتسويق وإدارة المشاريع.
إنشاء منصة وطنية رقمية للتعريف بالتراث والسياحة في موريتانيا.
دعم التجارة الإلكترونية للمنتجات التقليدية والحرفية.
تطوير مسارات سياحية تجمع بين الثقافة والطبيعة.
إشراك المجتمعات المحلية في تصميم وتنفيذ المشاريع السياحية والتراثية.
دعم الإعلام الثقافي وصناعة المحتوى المرتبط بالتراث.
تشجيع الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وضع معايير واضحة لحماية التراث والبيئة والحفاظ على الأصالة الثقافية.
الخلاصة
لا تحتاج موريتانيا إلى اختراع قصة جديدة لتقدم نفسها للعالم؛ فالقصة موجودة بالفعل في مدنها القديمة، ومخطوطاتها، وحرفها، وموسيقاها، وصحرائها، وسواحلها، وذاكرة أهلها.
لكن التحدي يكمن في تحويل هذه الثروة إلى فرص اقتصادية حقيقية للشباب والنساء والمجتمعات المحلية، بما يحقق التنمية ويحافظ في الوقت نفسه على الهوية الثقافية.
إن مستقبل التراث الموريتاني لا ينبغي أن يكون مجرد متحف للماضي، بل يمكن أن يصبح ورشة للمستقبل؛ ففي كل مدينة قديمة قصة، وفي كل حرفة فرصة، وفي كل مخطوط معرفة، وفي كل موقع طبيعي إمكانية لسياحة مستدامة، وفي كل شاب فرصة لإنشاء مشروع.
فالتحدي الحقيقي ليس في امتلاك موريتانيا لهذا التراث، وإنما في تحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة، دون أن تفقد هذه الثروة قيمتها الثقافية وأصالتها.


تقرير صحفي استقصائي حول التراث والثقافة والسياحة وريادة الأعمال
إعداد وتحقيق: الحسن أحمد فال
صحفي – مدير وناشر موقع «الخبر اليقين»
رئيس مكتب الاتحاد الدولي للصحافة العربية – فرع موريتانيا

مقدم للمنافسة ضمن جائزة التميز الصحفي – السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية (الهابا)
المحور: المقدرات التراثية والثقافية والطبيعية في موريتانيا