أحمد الوالد، شاعر الصورة وعمق المعنى/الولي سيدي هيبه

إن الشاعر الذي يراهن على الصورة دون أن يفقد المعنى، وعلى المعنى دون أن يفرط في جمال الصورة هو الذي يشتغل في المنطقة الأكثر صعوبة في الكتابة الشعرية..

أوحت إلي قراءاتي الكثيرة ومراجعاتي المتأنية والمتأملة معا لشعر أحمد الوالد بهذه الشهادة، لا باعتبارها حكما نقديا يستقصي تجربة الشاعر من جميع جوانبها، وإنما بوصفها انطباعا أدبيا صادقا تشكل في وجداني عبر صحبة نصوصه وتأمل عوالمها.

لقد وجدتني، كلما أعدت قراءة شعره أو الاستماع لإلقاءاته، أمام شاعر يمتلك صوته الخاص، ويكتب من منطقة عميقة تجاور فيها حرارة الشعور صفاء الرؤية، وتتعانق الكلمة مع الصورة والذات مع أسئلة الإنسان والحياة. ومن هنا نشأت رغبتي في أن أكتب عنه، وأن أشارك القارئ بعض ما تركه شعره في نفسي من أثر، وما أثاره في وجداني من تأمل وإعجاب.

وما هذه الشهادة إلا محاولة للوفاء لشاعر أراه جديرا بالاحتفاء، ولتجربة شعرية أجد فيها من الخصوبة والجمال ما يستحق أن يُقرأ وأن يُتأمل. وقد لا أكون قد أحطت بكل أبعاد تجربته، ولا أزعم لنفسي امتلاك القراءة النهائية لشعره؛ وإنما هي شهادة قارئ أحب النص، وأنصت إلى موسيقاه، وتابع تحولاته، فرأى في أحمد الوالد شاعرا فذا، له حضوره وملامحه وصوته الذي يستحق أن يسمع ويحتفى به.

ولعل أجمل ما يمكن أن أقدمه في هذه الشهادة أن أقول، إنني لم أقرأ شعر أحمد الوالد من موقع المتلقي العابر، بل عشت معه طويلا، وعدت إلى نصوصه غير مرة، وفي كل عودة كنت أكتشف فيها شيئا جديدا، وأجد في القصيدة ما يدعوني إلى مزيد من الإنصات. ومن هذا التراكم القرائي ولدت هذه الكلمات، عسى أن تكون تعبيرا أمينا عن رؤيتي للشاعر، وعن بعض ما صنعه شعره في نفسي من أثر.

حين أقول عن أحمد الوالد، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، إنه شاعر الصورة وعمق المعنى، فإننا نحاول الإمساك بجانب أساسي من خصوصية تجربته الشعرية، تلك التجربة التي تجعل من الكلمة أكثر من أداة للتعبير، ومن الصورة أكثر من زخرف بلاغي، ومن القصيدة فضاء تتفاعل فيه الفكرة والإحساس والخيال والتجربة الإنسانية، بحيث يجد القارئ نفسه أمام نص لا يستنفد معناه من القراءة الأولى أو سماع الإلقاء الاول، وإنما يظل مفتوحا على احتمالات متعددة من التأويل والتأمل.

أحمد الوالد من الشعراء الذين تقوم علاقتهم باللغة فصيحة كانت أم "حسانية" على معرفة دقيقة بطاقتها الخفية، فهو لا يتعامل مع الكلمة باعتبارها وحدة لغوية مستقلة، وإنما باعتبارها حاملا للصورة والإيحاء والذاكرة. لذلك تأتي عبارته محملة بما يتجاوز ظاهرها، فتبدو الصورة بسيطة في تركيبها لكنها، سهل ممتنع، تفتح أبوابا واسعة من الدلالة، ويبدو المعنى واضحا في مستواه الأول لكنه سرعان ما يكشف عن طبقات أخرى حين يعاد النظر فيه. وهذه إحدى علامات الشعر الذي لا يكتفي بأن يقال، وإنما يريد أن يترك أثرا ويستمر في الذاكرة.

ولعل هذا ما يجعل عبارة "شاعر الصورة وعمق المعنى" مناسبة للتعبير عن هذا النوع الابداع، فالقصيدة عند الشاعر الحقيقي ليست مجموعة أبيات تتجاور، وإنما بناء متكامل لكل كلمة فيه وظيفتها ولكل صورة موقعها ولكل معنى امتداده. كما أن الشاعر، حين تكتمل لديه الرؤية وتتماسك لغته وتتشكل مقاصده، تتدفق القصيدة شلالا يسقي جداول رقراقة، ممتدة النفس، تتغير فيها الصور والإيقاعات، لكن يجمعها صوت الشاعر ورهافة حسه واتساع رؤيته للعالم.

في تجربة أحمد الوالد، تبدو الصورة الشعرية إحدى أكثر الأدوات حضورا، غير أنها ليست غاية مستقلة ولا محاولة لاستعراض القدرة البلاغية، وإنما هي طريق إلى المعنى. لذلك فإن جمال الصورة لا ينفصل عن وظيفتها في بناء الدلالة، وكلما ازدادت إشراقا واتساعا ازدادت قدرتها على حمل المعنى وإثارة الأسئلة لدى القارئ، وهو ما يمنح قصائد حياة تتجاوز لحظة كتابتها وإلقائها.

فالنص الذي يكتفي بالإبهار قد يثير الإعجاب لحظة قراءته، أما النص الذي يجمع جمال الصورة بعمق المعنى فإنه يظل قابلا للعودة إليه، وفي كل عودة يكشف للمتلقي شيئا جديدا. وهنا تتجلى قيمة الشاعر الذي يعرف كيف يوازن بين موسيقى اللغة وثقل الفكرة، فلا يجعل المعنى يثقل على الشعر، ولا جمال العبارة يطغى على الفكرة، وإنما يبحث عن تلك المنطقة الدقيقة التي تصبح فيها اللغة والمعنى شيئا واحدا، فتأتي الجملة الشعرية حاملة لصورتها وفكرتها وإيقاعها في وقت واحد.

وإذا كان الشعر في أحد تعريفاته الكبرى محاولة لصناعة الجمال من التجربة الإنسانية، فإن أحمد الوالد يبدو شديد الارتباط بهذه المساحة التي تلتقي فيها التجربة باللغة، حيث لا تعود القصيدة مجرد تعبير عن موقف أو إحساس، وإنما تصبح إعادة تشكيل للتجربة نفسها من خلال الخيال والصورة والإيقاع. لذلك لا ينقل الشاعر ما يراه كما هو، بل يعيد بناءه في اللغة، ولا يقدم المعنى جاهزا، بل يترك للصورة والإيحاء مساحة تجعل القارئ شريكا في إنتاج الدلالة.

ومن هذه الزاوية، فإن وصف أحمد الوالد بأنه شاعر الصورة وعمق المعنى يتجاوز الثناء إلى محاولة قراءة تجربته، لأن الشاعر الذي يراهن على الصورة دون أن يفقد المعنى، وعلى المعنى دون أن يفرط في جمال الصورة، يشتغل في المنطقة الأكثر صعوبة في الكتابة الشعرية، حيث يكون المطلوب أن تكون القصيدة جميلة دون سطحية، وعميقة دون غموض، وموسيقية دون أن تكون أسيرة للإيقاع، وقريبة من القارئ دون أن تتنازل عن خصوصيتها الفنية.

ولأن الشاعر أحمد الوالد يتولى رئاسة اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، فإن الحديث عن تجربته يكتسب بعدا آخر يتصل بمكانة الأدب في الحياة الثقافية الوطنية، إذ لا يعود الشاعر مجرد صاحب تجربة فردية، وإنما يصبح حاضرا في المشهد الأدبي العام، وفي فضاء يحتضن الكتاب والشعراء والمبدعين وتتقاطع داخله أجيال وتجارب ومدارس متعددة. وهو ما يجعل حضوره في مثل هذا الموقع امتدادا طبيعيا لعلاقته بالكلمة، لكن في صورة أكثر اتساعا تتصل بخدمة الأدب وصيانة مكانته وتشجيع المبدعين والدفاع عن حضور الثقافة في المجتمع.

لذلك وجبت مني التحية للشاعر أحمد الوالد، الذي جعل من القصيدة فضاء للكتاب، ومن الكتاب امتدادا للقصيدة، على نحو ما قال الشاعر الدكتور الشيخ ذات مرة عن الشاعر المبدع المختار السالم. وهي تحية لا تنصرف إلى الشاعر وحده، وإنما تمتد إلى الثقافة التي تظل معه قادرة، رغم تحولات الزمن وتبدّل وسائل التعبير، على أن تمنح الإنسان فسحة للتأمل في ذاته، وفي مجتمعه، وفي العالم من حوله.

ويذكرنا أحمد الوالد، من خلال تجربته الشعرية، بأن الشاعر أو الكاتب الكبير ليس بالضرورة من يكثر القول، وإنما من يمنح الكلمة وزنًا يتجاوز عدد حروفها، والصورة عمقًا يتجاوز شكلها، والقصيدة حياةً تتجاوز لحظة قراءتها. ومن هنا تتبدى قيمة تجربته، فهو شاعر الصورة وعمق المعنى، يمنح الكلمة مجالا لكي ترى، ويمنح الصورة فرصة لكي تقال، ويترك للمعنى فسحة رحبة تظل مفتوحة على القارئ والزمن.

وفي شعر أحمد الوالد تتجاور الصورة والمعنى، ويتعانق جمال اللغة مع عمق التجربة، فتغدو القصيدة أكثر من بناء لغوي أو تعبير عابر عن حالة شعورية. إنها تجربة إنسانية قابلة للتجدد كلما عاد إليها قارئ جديد، أو أعاد القارئ نفسه النظر فيها من زاوية أخرى.

ولعل سر الكلمة عند الشاعر المبدع أحمد الوالد يكمن في قدرتها على التحول من مجرد قول إلى أثر، ومن مجرد نص إلى ذاكرة، فالكلمة حين تصدر عن تجربة حقيقية وشاعرية محققة لا تنتهي بانتهاء القصيدة، بل تظل حاضرة في وجدان المتلقي، تستدعي التأمل، وتفتح أبوابا جديدة للمعنى الذي لا ينضب.