غبار وانتظار !

كان كل شيء جاهزًا للرحلة. عشراتُ الركاب ينتظرون، بطاقات الصعود في الأيدي، والطائرة جاهزة.

ثم جاء الغبار ليملأ سماء نواكشوط.. في سحابة امتدت حتى بانجول.

بعد ساعات من الانتظار، جاء الإعلان: الطائرة تعاني مشاكل تقنية بسبب الغبار، والبحث جارٍ عن حلول.

قلتُ في نفسي: لعلَّ الغبار هو الذي يمنعُ هذه البلاد من (الإقلاع) !

…

في قاعة الانتظار، مسافرون من جنسيات مختلفة، أغلبهم من أفريقيا وآسيا.

سفير دولة أوروبية لديه اجتماع طارئ. موظف في البنك الدولي لديه ارتباطات مهنية ضاغطة. وفد في طريقه إلى قمة عالمية لا يمكن أن تتأجل.

وطبعًا، وراء كل مسافر قصة وحكاية، تجعلُ سفره مهمًا.

لكن الجميع وجدوا أنفسهم عالقين أمام مطعم واحد صغير، بمقاعد محدودة، وخدمات بسيطة، بل متواضعة.

حتى قاعة الضيوف الـ (VIP) كانت عاجزة عن تحمل الضغط، وهي الصغيرة والضيقة، والتي لا يتناسب سعرها مع ما تقدمه من خدمة، إلا إذا كانت خدمة الانعزال عن بقية المسافرين والشعور بتميز كاذب !

أن تلغى رحلتك وأنت في المنطقة الدولية، شيء مزعج، ولكن في مطارات العالم الأخرى دومًا هنالك حلول سريعة.. أما هُنا في نواكشوط فهي بداية قصة طويلة من المعاناة والترقب والانتظار !

…

بعد ساعات، قررت شركة الطيران، نقل المسافرين إلى الفنادق، وكان أقربها في نواكشوط، أي على بعد قرابة 30 كيلومترًا.

لا توجدُ فنادق في المطار ولا بالقرب منه !

جاءت أربع حافلات متوسطة الحجم، ولكن ظهرت مشكلة جديدة: أغلب المسافرين في رحلة عبور، ولا يملكون تأشيرة لدخول البلد.

بدأت مفاوضات بين عناصر شرطة وموظفي شركة الطيران، وانتهت إلى حل: تُسحب جوازات من يحتاجون تأشيرة، ويُنقلون إلى الفندق، على أن تُعاد إليهم فور عودتهم إلى المطار.

واشتعل النقاش.

كان أول الرافضين رجلًا في الستين، من دولة في غرب أفريقيا، قالها بتوجس من لا يثق في الشرطة: (لن أترك جوازي بحوزة الشرطة)، وتبعه في ذلك آخرون.

رد الشرطي بهدوء: (ذلك حقكم، لكن لا يمكنكم دخول البلد دون تأشيرة).

سويت المشكلة، بعد تدخل موظف شركة الطيران، كان شابًا موريتانيا لبقًا يتحدث الانجليزية بطلاقة، مع ابتسامة هادئة ومريحة، جعلت المسافرين يسلمون جوازاتهم، وإن بشيء من الحذر.

…

حينَ خرجتُ من المطار نحو الحافلات، كان إلى جانبي موظف البنك الدولي. كادت الريح القوية أن ترمي بنا بعيدًا، لولا أننا تشبثنا بحقائبنا الثقيلة. فأصبحت هي التي تحملنا، بعد أن كنا من يحملها.

من بعيد ظهر لنا شبح رجلٍ وسط الغبار الكثيف، كان يرتدي دراعة زرقاء من عشرة أمتار، يوجه السائقين ويرشد الركاب نحو الحافلات. وفي أغلب الوقت، كانت الريح تحوّل دراعته إلى منطاد عملاق، فيبدو المشهد أقرب إلى دمية ضخمة يتلاعب بها الهواء.

في عيون الأجانب، رأيتُ الدهشة والاستغراب، كأنهم يكتشفون كوكبًا جديدًا، تقطنه كائنات غير مألوفة.

انتابني إحساس عميق بالخجل، وأنا أرمي بجسدي فوق المقعد، بعد أن امتلأت أعيني بالحصى والرمل.

…

المسافر في مطار كبير، حين تُلغى رحلته، يجد بعد ساعتين رحلة أخرى إلى الوجهة نفسها، أو إلى مطار قريب منها.

أما في نواكشوط، يعني إلغاء الرحلة انتظار اليوم التالي، لأن الخيارات قليلة، والوجهات محدودة.

ولم يكن هذا ما وُعدنا به قبل عشر سنوات !

في 23 يونيو 2016، افتُتح مطار نواكشوط الدولي أم التونسي، وقيل لنا يومها إنه أكبر مشروع في البلاد منذ الاستقلال، وهو وصف يستعيره كل نظام مع كل مشروع، وكأنهم ينسون أنفسهم في كل مرة.

قيل لنا حينها إنه مطار بمعايير دولية، يتسع لمليوني مسافر في السنة، ويستقبل أضخم الطائرات في العالم، ويوفر 1800 فرصة عمل، بل إن الحكومة آنذاك تحدثت عن (قطب اقتصادي) لما سيقوم حوله من منشآت وفنادق، وعن موقع استراتيجي يجعل نواكشوط نقطة التقاء بين إفريقيا جنوب الصحراء والمغرب العربي وأوروبا.

اليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات، ما يزالُ مطار نواكشوط خارج مسارات الطيران الدولي، أحرى أن يكون نقطة التقاء إقليمية، ولا أعتقد أن مليوني مسافر سنويًا قد تحققت.

أما وعد القطب الاقتصادي الذي قيل إنه سيقوم حوله، فما يزال عبارة عن مشروع فندق تحول إلى مبنى مهجور على أطراف الطريق.

…

بعد انتظار يوم كامل، حتى أخذنا نصيبنا من غبار نواكشوط، بدأت الرحلة نحو موسكو مرورًا بالدار البيضاء واسطنبول..

يتواصلْ