الصحافة بين تحديات المهنة والوسائط الجديدة/الولي سيدي هيبه

بمناسبة عيد الصحافة، يطرح واقع الإعلام في موريتانيا نموذجا يستحق التأمل بموضوعية وتجرد. ففي السنوات الأخيرة، برزت مؤشرات إيجابية تتعلق باتساع هامش حرية التعبير مقارنة ببعض البيئات الإقليمية، وهو مكسب مهم لا يمكن التقليل من قيمته. لكن هذا الهامش، رغم أهميته، لا يكفي وحده للحكم على مستوى النضج المهني أو قدرة الصحافة على إحداث أثر حقيقي في الحياة العامة.

أفرز التحول الرقمي نوعا جديدا من الوسائل الإعلامية، تمثل في المنصات الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، البث المباشر، وصحافة المحتوى الفوري. وهذه الأدوات أحدثت تحولا عميقا في المشهد الإعلامي الموريتاني، إذ وسعت دائرة الوصول إلى المعلومة، وسرّعت تداول الخبر، وفتحت المجال أمام أصوات جديدة لم تكن لتجد طريقها إلى الفضاء العام عبر الوسائل التقليدية.

وفي قلب هذا التحول، برز المواطن فاعلا إعلاميا جديدا، لم يعد مجرد متلقٍ للخبر، بل أصبح مساهما في صناعته ونقله والتعليق عليه وتوجيه النقاش حوله. وقد منحت هذه النقلة الفضاء الإعلامي حيوية أكبر، وكسرت جزئيا احتكار المعلومة، لكنها في المقابل أفرزت تحديات حقيقية، أبرزها تراجع التحقق المهني، واتساع دائرة الأخبار غير الدقيقة، وتصاعد الخطاب الانفعالي على حساب التحليل الرصين.

كما ظل تأثير الوسائل الجديدة مزدوجا: فمن جهة، أسهمت في رفع سقف النقاش العمومي وكشف قضايا كانت بعيدة عن الضوء، ومن جهة أخرى، دفعت أحيانا نحو الاستسهال المهني، حيث غلب منطق السرعة والسبق على حساب العمق والدقة. وهذا جعل كثيرا من المنصات تتحرك في منطقة رمادية بين الإعلام المهني والتفاعل الرقمي المفتوح.

وفي السياق الموريتاني، لا تزال الصحافة التقليدية والرقمية معا تواجه تحديات تتعلق بضعف التكوين المتخصص، وهشاشة النماذج الاقتصادية، ومحدودية الوصول المؤسسي إلى المعلومة، إضافة إلى استمرار بعض التأثيرات الاجتماعية والثقافية التي قد تحد من استقلالية التناول.

غير أن الساحة لا تخلو من تجارب واعدة ومبادرات جادة تسعى إلى تطوير الأداء المهني، مستفيدة من الإمكانات التي أتاحتها الوسائل الجديدة. ويظل الرهان الحقيقي هو الانتقال من مجرد توظيف التقنية إلى بناء ثقافة إعلامية جديدة، يكون فيها المواطن شريكا واعيا، والصحفي محترفا قادرا على التحقق والتحليل، والمؤسسة الإعلامية فضاء مستقلا يخدم الحقيقة والمصلحة العامة.

وعليه، يظل تقييم الصحافة في موريتانيا تقييما مركبا: بين مكسب الحرية، وتحولات الوسائط الجديدة، وتحديات الممارسة المهنية. وفي عيد الصحافة، قد يكون الأجدر استحضار هذه الأسئلة بوعي نقدي مسؤول، لأن المستقبل الإعلامي لا تصنعه وفرة المنابر وحدها، بل تصنعه جودة الرسالة، ووعي المواطن، ومهنية القائمين على الكلمة.