زينب منت أحمدناه.. قامة سياسية أكبر من محاولات الإرباك / نوح محمد محمود

في المشهد السياسي الموريتاني، لا تُقاس قوة الفاعل السياسي بعدد الحاضرين في مناسبة عابرة، ولا بحجم الضجيج المصاحب لتحرك هنا أو هناك، وإنما بقدرته على بناء حضور مستمر، وصناعة الثقة، وجمع الناس حول فكرة تتجاوز الحسابات الضيقة.

ومن هذه الزاوية تبدو زينب منت أحمدناه واحدة من الشخصيات السياسية التي راكمت حضوراً لافتاً، ليس فقط بحكم موقعها الوزاري الحالي، وإنما بما بنته من شبكة سياسية واجتماعية واسعة، تمتد من نواكشوط إلى الترارزة، وتضم منتخبين وأطراً وأعياناً وقادة رأي وفاعلين من مشارب متعددة.

وفي آخر تحركاتها، بدت السيدة الوزيرة وكأنها تضع بصمتها على معادلة سياسية واضحة: الحضور الحقيقي لا تصنعه الحملات، وإنما يصنعه الناس.

لقد حشدت منت أحمدناه أنصارها في نقطة مركزية، وسط حضور عمد بلديات محسوبة على حلفها، وأطر وأعيان وفاعلين سياسيين، في مشهد يكشف أن التيار الذي تقوده ليس مجرد عنوان ظرفي، بل حالة سياسية لها امتداداتها وقاعدتها الاجتماعية.

وقد تكون هناك محاولات لإرباك المشهد أو التقليل من حجم هذا الحضور، لكن السياسة لا تُدار دائماً بما يرغب فيه بعض المتنفذين، وإنما بما تقوله الوقائع على الأرض.

فزينب ليست نجماً منفرداً في سماء سياسية خالية؛ إنها قمر تحيط به نجوم كثيرة، ومغفرية تحمل وراءها إرثاً اجتماعياً وسياسياً يعرف كيف يحضر حين تستدعي اللحظة الحضور.

والأهم من ذلك أن السيدة الوزيرة اختارت، في خطابها السياسي، موقعاً واضحاً من مستقبل البلد؛ فقد كانت من الأصوات التي صدحت بضرورة استمرار النهج الذي ترى أنه ينفع الناس ويمكث في الأرض، في إشارة إلى دعمها لاستمرار مشروع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

وهنا تحديداً تكمن أهمية موقفها: فهي لا تقدم نفسها باعتبارها مجرد مسؤولة حكومية، وإنما باعتبارها فاعلة سياسية ترى أن الاستقرار واستمرار السياسات النافعة ينبغي أن يكونا جزءاً من النقاش الوطني، بعيداً عن المزايدات والاصطفافات الموسمية.

وفي النهاية، قد ينجح البعض في تأخير مشهد، أو تخفيض عدد الحاضرين في مناسبة، لكن من الصعب إخفاء تيار سياسي كامل إذا كان قد بنى لنفسه جذوراً في المجتمع.

زينب منت أحمدناه اليوم ليست مجرد وزيرة في حكومة؛ إنها إحدى القامات النسائية والسياسية التي استطاعت أن تصنع لنفسها موقعاً في معادلة الحضور، وأن تجمع حولها تياراً واسعاً، وأن تقول بوضوح ما تؤمن به.

والسياسة، في نهاية المطاف، لا تنتصر فيها الأيادي التي تحاول حجب الشمس، وإنما تبقى فيها الأسماء التي تعرف كيف تصنع لنفسها مكاناً في ذاكرة الناس.