خطاب أطار.. الدولة بلغة الإنجاز وفتح أبواب المستقبل

لم يكن خطاب رئيس الجمهورية في مدينة أطار مجرد خطاب جماهيري عابر، ولا مناسبة بروتوكولية لعرض بعض المشاريع الحكومية أمام سكان ولاية آدرار، بل كان خطابا سياسيا وتنمويا متكاملا، جمع بين قراءة واقع البلاد، استعراض ما تحقق، ذكر ما لا يزال قائما من تحديات، وفتح أفق أوسع أمام نقاش وطني يراد له أن يكون محطة لتطوير الدولة وتعزيز وحدتها ومؤسساتها.
ومن أطار، اختار رئيس الجمهورية أن يبدأ من المواطن، من حاجاته اليومية ومن حقه في أن يرى ثمار التنمية في محيطه، مؤكدا أن التنمية لا ينبغي أن تظل أرقاما في تقارير المؤسسات، وإنما يجب أن تتحول إلى طرق معبدة، ومياه متوفرة، وكهرباء تصل إلى المدن والقرى، ومدارس ومراكز صحية وخدمات وفرص اقتصادية يشعر المواطن بأثرها المباشر.

وفي هذا السياق، لم يكن عرض حجم الاستثمارات العمومية في ولاية آدرار مجرد استعراض للأرقام، وإنما جاء ليؤكد أن الولايات الداخلية تقع في صلب الاهتمام التنموي للدولة. فمنذ 2019، يقول الرئيس، بلغت الاستثمارات العمومية في الولاية 40 مليار أوقية قديمة، فيما تستفيد الولاية من 12 مليار أوقية قديمة ضمن برنامج النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية، الذي يشمل 206 ورشات في مجالات التعليم والصحة والمياه والكهرباء وفك العزلة.

والأهم من ذلك أن الخطاب لم يتوقف عند ما تحقق، وإنما حمل جملة من الالتزامات والمشاريع الجديدة التي تهم سكان آدرار بصورة مباشرة، وفي مقدمتها ربط مدينة أطار بالشبكة الكهربائية الوطنية، وإعادة بناء 75 كيلومتراً من طريق أكجوجت/أطار، وإعادة بناء الطرق الحضرية، ومواصلة البحث عن حلول دائمة لمشكلة المياه، فضلاً عن العمل على تطوير الزراعة الواحية وتعزيز الجاذبية السياحية للولاية.

إن الحديث عن هذه المشاريع في أطار يحمل دلالة سياسية وتنموية واضحة حيث أن الدولة لا تنظر إلى آدرار باعتبارها منطقة ذات ماض تاريخي وثقافي عريق فحسب، وإنما باعتبارها جزء من المستقبل الاقتصادي للبلاد، بما تمتلكه من إمكانات زراعية وسياحية وموقع جغرافي وقدرات بشرية يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية الوطنية.

ولعل الأهم في خطاب الرئيس هو أنه لم يقدم التنمية باعتبارها مجرد إنفاق عمومي، بل ربطها بمفهوم الإنصاف، مؤكدا أن المواطن، أينما كان، يجب أن يجد نصيبا عادلاً من إمكانات وطنه، وأن تكون الحاجات المحلية جزء أصيلا من صناعة القرار التنموي. وهذه رؤية تعكس تحولا مهما في فلسفة التنمية، من التركيز على المشاريع المركزية إلى إشراك المناطق والمواطنين في تحديد أولوياتها.

وفي الوقت نفسه جاء في معرض الخطاب ذكر الصعوبات والاختلالات، مؤكدا القول إن الوضع العام جيد لا يعني أن ما تحقق هو أقصى ما كان بالإمكان تحقيقه.

وهذه الصراحة تحسب للخطاب، لأنها تجعل الدفاع عن أداء الدولة قائما على الاعتراف بالتحديات، لا على إنكارها. فالبلاد، مثل غيرها من دول العالم، تواجه تداعيات أزمات دولية متلاحقة، وفي مقدمتها أزمة الطاقة وارتفاع أسعار المحروقات واضطراب سلاسل الإمداد.

ومع ذلك، فإن الدولة، وفق ما عرضه الرئيس، اختارت تحمل جزء كبير من كلفة هذه الأزمة من خلال دعم أسعار المحروقات، إلى جانب استمرار الدعم المباشر للأسر الأقل دخلا والعمال والمتقاعدين. وهي سياسة تعكس بوضوح أن الدولة لم تترك المواطن وحيدا في مواجهة موجة الغلاء العالمية.

وإذا كانت المعارضة السياسية قد تنظر إلى هذه الإجراءات من زاوية مختلفة، فإن الوقائع التي عرضها الخطاب تظل جديرة بالنقاش، خصوصا أن الدولة أنفقت مبالغ كبيرة للحفاظ على أسعار المحروقات ودعم الفئات الأقل دخلا، في وقت كانت فيه أسعار الطاقة العالمية تضغط على موازنات مختلف الدول.

ولان خطاب أطار لم يكن خطاب اقتصاد وأرقام فقط، فقد حمل بعدا سياسيا أعمق حين استحضر الرئيس المؤسس المختار ولد داداه وخطابه أمام سكان أطار قبل الاستقلال، مستعيدا السؤال الذي كان يشغل جيل التأسيس حول موريتانيا التي يريدها الموريتانيون.

إن استحضار تلك اللحظة التاريخية لم يكن اعتباطيا، لأن موريتانيا اليوم ليست موريتانيا التي كانت عشية الاستقلال. فقد تضاعف عدد السكان، وأصبح المجتمع أكثر شبابا وتعليما وانفتاحا، وتوسعت المدن، وتطورت مؤسسات الدولة، وتغيرت حاجات المجتمع وارتفعت سقوف طموحاته.

ومن هنا جاء السؤال الذي طرحه رئيس الجمهورية حول مدى قدرة المنظومة المؤسسية القائمة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الجديدة.

وهذا السؤال، في حد ذاته، يكشف أن السلطة لا تنظر إلى الدولة باعتبارها بنية جامدة لا تحتاج إلى مراجعة، وإنما باعتبارها مؤسسات مطالبة بالتطور والتكيف مع تحولات المجتمع.

وهنا تحديدا تظهر الأهمية السياسية للحوار الوطني المرتقب. فالحوار، وفق الرؤية التي عبر عنها الرئيس في أطار، ليس مناسبة لتبادل المجاملات السياسية، ولا منصة لإعادة إنتاج الخطابات القديمة، وإنما فرصة للنظر بجدية في مستقبل الدولة ومؤسساتها وعقدها الوطني.

والأكثر أهمية أن رئيس الجمهورية أكد أن هذا الحوار ينبغي أن يكون شاملا وجادا، وألا يخضع لمحظورات أو إملاءات من أي جهة، وأن تكون مخرجاته نابعة من النقاشات نفسها.

وهذه رسالة واضحة إلى مختلف القوى السياسية والوطنية بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى المشاركة لا إلى المزايدة، وإلى تقديم الأفكار لا الاكتفاء بالاعتراض، وإلى تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.

لقد وضع الرئيس سقفا واضحا لهذا الحوار حين أكد أن الهدف ليس إعادة تعريف الوطن أو المساس بأسسه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية، وإنما تطوير ما يحتاج إلى تطوير، وتقوية ما يحتاج إلى تقوية، وترسيخ دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، بما يجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لطموحات الأجيال الجديدة.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم خطاب أطار باعتباره خطاب ثقة في قدرة الدولة على مواصلة مسارها، وفي الوقت نفسه خطاب استعداد لمراجعة وتطوير هذا المسار حيث تقتضي الضرورة.

وما يميز هذا الطرح أنه لا يضع التنمية في مواجهة الإصلاح السياسي والمؤسسي، بل يراهما مسارين متكاملين. فالدولة التي تريد توزيعا أكثر إنصافا للاستثمارات تحتاج إلى مؤسسات أكثر فعالية، والدولة التي تريد تحسين الخدمات تحتاج إلى إدارة أكثر قدرة، والدولة التي تريد تعزيز المواطنة تحتاج إلى مؤسسات يشعر المواطن بأنها تعمل من أجله وبالعدل بين أبنائها.

لقد كان خطاب أطار، بهذا المعنى، خطاب دولة تنظر إلى الحاضر بعين الإنجاز وإلى المستقبل بعين الإصلاح. عرض ما تحقق، أعلن ما سيأتي، اعترف بما لم يكتمل، ثم فتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل المؤسسات والعقد الوطني.

وإذا كانت المعارضة ستبحث، بطبيعة الحال، عن مواطن النقص في الحصيلة وعن الملفات التي لا تزال تنتظر الحل، فإن من حق السلطة أيضا أن تضع أمام الرأي العام أرقامها ومشاريعها وما أنفقته في مواجهة الأزمات، وأن تطلب من خصومها السياسيين تقديم بدائل عملية قابلة للنقاش والتنفيذ.

وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لخطاب أطار لن تقاس فقط بما قيل فوق منصة المهرجان، وإنما بما سيتحول منه إلى واقع في آدرار وفي بقية ولايات الوطن، وبما سينتج عن الحوار الوطني من أفكار وإصلاحات وتوافقات تعزز الدولة وتوسع دائرة المشاركة الوطنية.

لقد حمل خطاب أطار رسالة واضحة مفادها أن موريتانيا قطعت أشواطا مهمة، لكنها لم تصل بعد إلى نهاية الطريق، وأن التنمية مستمرة، والإصلاح المؤسسي مطروح، والحوار الوطني مقبل، والهدف المعلن هو بناء دولة أكثر إنصافا، وأكثر قدرة على الاستجابة لمواطنيها، وأكثر استعدادا لمواجهة المستقبل.

وهذه، في جوهرها، هي الرسالة السياسية الأبرز التي خرجت من أطار حيث أن المحافظة على ما تحقق لا تتناقض مع تطويره، وأن ذكر التحديات لا يلغي الإنجازات، وأن بناء موريتانيا المستقبلية يظل مسؤولية مشتركة بين الدولة والقوى السياسية والمجتمع والمواطنين.
لقد حمل خطاب أطار رسالة واضحة مفادها أن موريتانيا قطعت أشواطا مهمة، لكنها لم تصل بعد إلى نهاية الطريق، وأن التنمية مستمرة، والإصلاح المؤسسي مطروح، والحوار الوطني مقبل، والهدف المعلن هو بناء دولة أكثر إنصافا، وأكثر قدرة على الاستجابة لمواطنيها، وأكثر استعدادا لمواجهة المستقبل.
وهذه، في جوهرها، هي الرسالة السياسية الأبرز التي خرجت من أطار حيث أن المحافظة على ما تحقق لا تتناقض مع تطويره، وأن ذكر التحديات لا يلغي الإنجازات، وأن بناء موريتانيا المستقبلية يظل مسؤولية مشتركة بين الدولة والقوى السياسية والمجتمع والمواطنين.